ابو البركات

219

الكتاب المعتبر في الحكمة

اجتيازها على الثلوج والمواضع الباردة فإنها تحركت لسخونتها فكيف لا تكف لبرودتها وكذلك لو كان السبب البرد لكفت إذا سخنت ونحن نرى رياحا شديدة حارة جدا كالسموم وباردة جدا كالدماء ولم نر للقدماء قولا في سبب الرياح سوى هذا وما يرضى به متأمله . وقوم من القدماء الأقدمين لم يفرقوا في عرف لغتهم بين الرياح والأرواح بل جعلوا الاسم لهما واحدا ولم يفرقوا ولم يفسروا بل تداولوا ذلك في عرفهم تداول العارفين الواقفين « 1 » على المعنى المشترك أو الغافلين المعرضين عن طلب معرفته ونقول الآن ان الحركات بأسرها لا تخرج عما حددناه أولا من طبيعية وقسرية وذاتية وعرضية ومن الطبيعية الإرادية النفسانية وكل قسرية فعن طبيعية وكل عرضية فعن ذاتية فالحركة الأولية طبيعية ذاتية والحركة الأولية في الرياح هي التي ينبغي ان نطلبها . فنقول انها ان كانت قسرية فما الطبيعية القاسرة لها وان كانت عرضية فما الذاتية المسببة لها وقد بطل ان يكون السبب هو ما قيل من حركة الغبار الدخاني في حره صاعدا أو في برده هابطا وبطل ان يكون حرا لهواء بمسخن طار في جهة كما قيل أو برودة بمبرد طار في جهة كما قيل أيضا وليس في الطبيعيات أسباب أخرى ينسب ذلك إليها فإلى ما ذا ينسب . فنقول انه تنسب حركة الريح إلى الريح بالذات كما نسبت حركة الروح إلى الروح بالذات لان محركها فيها اعني ان فيها قوة محركة فان القوى السمائية انما ترد إلى عالمنا هذا في الأرواح وإليها وهي حواملها الأول ولا يبعد أن تكون المحركات الريحية قوى سمائية كوكبية حاملة للبخار والغبار والاجزاء الهبائية والبذور من النبات والثمار من الشجر والانداء والأمطار والسحب إلى جهات من الأرض وبقاع لتتميم امر الكون والفساد ومن يرى الزوبعة قائمة بنفسها تسير في الهواء الراكد كسير الفارس المجد ملتفة مارة في حركتها الصاعدة المصعدة للغبار مع انجرارها على وجه الأرض من مكان إلى مكان تحقق ان تلك

--> ( 1 ) صف - من الواقفين .